القاضي التنوخي
74
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فسلمت ، وخرجت ، واستدعيت سيفا ومنطقة أخرى ، ولبستها وجئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة . فتلف الواثق تلفا لم تشكّ جماعتنا فيه ، فتقدّمت فشددت لحييه ، وغمّضته ، وسجّيته ، ووجهته إلى القبلة ، وجاء الفرّاشون ، وأخذوا ما تحته في المجلس ، ليردّوه إلى الخزانة ، لأنّ جميعه مثبت عليهم ، وترك وحده في البيت . فقال لي ابن أبي دؤاد القاضي : إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، ولا بدّ أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن ، فأحبّ أن تكون أنت ذلك الرجل . وقد كنت من أخصّهم به في حياته ، وذلك أنّه اصطنعني ، واختصّني ، حتى لقّبني الواثقيّ ، باسمه ، فحزنت عليه حزنا شديدا ، وقلت : دعوني ، وامضوا . فرددت باب المجلس ، وجلست في الصحن ، عند الباب أحفظه ، وكان المجلس في بستان عظيم ، أجربة ، وهو بين بستانين . فحسست بعد ساعة ، في البيت ، بحركة عظيمة أفزعتني ، فدخلت أنظر ما هي ، فإذا بحرذون « 1 » قد أقبل من جانب البستان ، وقد جاء حتى استلّ عيني الواثق ، فأكلهما . فقلت : لا إله إلَّا اللَّه ، هذه العين التي فتحها منذ ساعة ، فاندقّ سيفي هيبة لها ، صارت طعمة لدابّة ضعيفة . قال : وجاؤا فغسلوه بعد ساعة ، فسألني ابن أبي دؤاد ، عن سبب عينيه ، فأخبرته . قال : والحرذون ، دابّة أكبر من اليربوع قليلا « 2 » .
--> « 1 » الحرذون : من الزحافات وهو أكبر من السحلية يسمى في جزيرة العرب بالحبينة ( معجم الحيوان للمعلوف ص 6 و 226 ) . « 2 » انفردت بها ط ، ونقلها الخطيب في تاريخ بغداد 14 / 20 .